خليل الصفدي

208

أعيان العصر وأعوان النصر

جملة ذلك : وإذا خشن المقرّ حسن المفرّ ، وتوهّم شهاب الدين أن ذلك يعجب الصاحب فلمّا وقف عليها أنكرها دون ما في الكتاب ، وقال : يا شهاب الدين غيّر هذه ؛ فإنها وحشة ، فطار عقل شهاب الدين ، وضرب بالدواة الأرض ، وقال : ما أنا ملزوم بالغلف القلف ، وخرج من عنده وتوجّه إلى الحجاز ، ودخل من مكّة إلى اليمن ، وتلقّاه الملك المؤيّد « 1 » ، وأحسن إليه إحسانا زائدا ، وجعله كاتب سرّه ، فلم يطلب له المقام ، وهرب بعد خمسة أو ستة أشهر ، وقلّما خرج من مدينة إلّا وهو مختف . وكان كاتبا مترسّلا ، عارفا بمقاصد الكتابة متوسّلا ، يستحضر من اللغة جانبا ، وافرا ، ويبدي في المنادمة وجها بالمحاسن سافرا ، ويورد من كلام المعرّي قطعة كبيرة قد حفظها غائبا ، ويرمي منها سهما في البلاغة صائبا ، خصوصا من اللّزوميات ، وما له من العظات والزهديّات ، وإذا تكلّم تفيهق ، وتنطّع في كلامه وتمنطق ، ويأتي في ترسّله بالغريب ، والحوشيّ العجيب ، وإذا فكّر بشيء فكّر ، وغاص في المعاني وتذكّر ، ووضع شعر ذقنه في فيه وقرضه ، وقال الشعر وقرضه ، ويحوم بكلامه على المعنى المقصود زمانا ، وما يكسوه مع ذلك بيانا ، وكان متع الكلام بريئا من النّقض والملام ، لا يعبأ بملبس ولا مأكل ، ولا يتكلّف لشيء سوى أنه يعقلها ويتوكّل ، يلبس الجمجم القطن الصوفي والمقدّرة الصوف ، والطول المقفّص المعروف بأهل إسكندرية الموصوف ، وخاتمه كان سوارا ، وفصّه يعمل منه شوارا ، وكان يتحدّث بالتركيّ ، والعجميّ والكردي ، وإذا سافر خلع حلّة الكتّاب ، ولبس حلّة البدوي أو الجندي ، مع تندير وتنديب ، وتطاريب وتطريب . وكان قد أحبه صاحب حماة المنصور ، وجعل ظلّه ممدودا غير مقصور ، حضر يوما سماطه ، وكان أكثره مرقا ، وقد أضرم منه الجوع حرقا ، فقال : « بسم اللّه الرحمن الرحيم » نويت رفع الحدث ، واستباحة الصلاة اللّه أكبر ، وكان المظفّر بن المنصور « 2 » يكره ابن غانم ، فاغتنم الوقيعة فيه ، وقال لأبيه : اسمع ما يقول ابن غانم يعيب طعامك ، ويشبّهه بالماء ، فعاتبه المنصور على ذلك ، فقال : هذا ما قصدته ! ، ولكنّ البسملة في كل أمر مستحبّة ، والحدث الذي نويت رفعه حدث الجوع ، واستباحة الصلاة في الأكل فقال : فما معنى اللّه أكبر ؟ قال : على كل ثقيل ، فاستحسن المنصور منه ذلك ، وخلع عليه . وخرج مرّة مع المنصور إلى شجريّات المعرّة ، وقد ضربت الخيام ، وامتلأ الفضاء ، وما رأى الدخول إلى الخربشت ، فصعد إلى شجرة ليتحلّى ، والمنصور يراه فأرسل إليه شخصا ؛

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها . ( 2 ) المظفر بن منصور هو : تقي الدين محمود ، المتوفى في سنة 698 ه . ( انظر : تاريخ أبي الفدا : 4 / 41 ) .